العدل المجحف في حق أرملة شهيد حرب الصحراء المغربية

https://www.mararmy.com/2026/06/blog-post_13.html


في ذاكرة الوطن تسكن أسماء الشهداء كأيقونات للفداء والتضحية رجال سقطوا بأجسادهم ليقف الوطن شامخًا قدموا أرواحهم من أجل قيم لا تموت الحرية الكرامة السيادة العدالة لكن خلف هذا المجد المتوهج تختفي حكايات صامتة حكايات أليمة لم تُكتب بالمداد و إنما كتبت بالدموع والخذلان حكايات الأرامل اللواتي بقين في الهامش بعدما انتهت المعركة ورفع العلم و بقيت صور الشهداء معلقة على الجدران بينما ظلت معاناة ذويهم منسية على الأرصفة و في زوايا البيوت .

أرملة الشهيد لم تكن فقط زوجة محبة فقدت رفيق دربها بل كانت أيضًا أمًا مكلومة و معيلة وحيدة و قلبًا مصلوبًا على جدار الصبر امرأة و قفت في وجه الإعصار دون سند لم يكن الحزن وحده ما يؤلمها بل خذلان الدولة و المجتمع من حولها سنوات و هي تكد و تتعب كي لا يسقط الأيتام في الضياع كانت تطبخ بحصى الصبر و تغطيهم بلحاف الكرامة و تداويهم بكلمات منقوشة من الذكريات

و إن كانت بعض الأسر قد حالفها الحظ فوجد الأبناء من يأخذ بيدهم و يوجههم و يمنحهم الدعم و الدراسة و الرعاية فكم من أبناء الشهداء وجدوا أنفسهم بلا ظهر و لا معين و لا قريب يرحمهم و لا مؤسسة تعترف بهم بل إن منهم من تشرد منذ طفولته و منهم من أنهى دراسته لكنه خرج إلى الشارع بلا وظيفة و لا فرص و منهم من انزلق إلى الانحراف لأنه لم يجد في هذا الوطن من يقول له أنت ابن شهيد و هذا يكفي .

و مع توالي السنوات تحولت الصدمة إلى آثار نفسية متراكمة في صدور الأبناء من دون أن تنتبه إليهم أي جهة مختصة لا أحد أحصاهم لا أحد سأل عنهم و لا أحد فتح لهم أبواب الطب النفسي أو إعادة التأهيل فلا برامج للدعم و لا مرافق للإصغاء و لا مسؤول سهر على تسكين الجراح النفسية التي لا يراها أحد لكنها تنخر الروح .

و لعل من أشد المفارقات أن الدولة حين أرادت أن تكرم أبناء الشهداء منحتهم صفة مكفولي الأمة و هي عبارة تحمل في طياتها أجمل المعاني و تعبر عن حضن الوطن عن رعاية الدولة عن أن الوطن لا ينسى أبناء من دافعوا عنه حتى الموت ، و لكن هذه الصفة لم تكن إلا شعارًا جميلاً في خطابات المناسبات لا أكثر ، في الواقع لا أحد كفلهم و لا أحد آواهم بل كانوا منبوذين و مقصيين لا يستفيدون من أي امتياز فعلي و لا يُشركون في أي برنامج يرقى لمعنى التكريم الحقيقي .

ولم تشمل هذه الرعاية أحدا لا من بداية الحرب و لا في منتصفها و لا حتى بعد  وقف إطلاق النار ، سنوات و سنوات مرّت كأنهم لم يكونوا و كأن آباءهم لم يموتوا دفاعًا عن هذه الأرض و النتيجة أن من تفوق منهم و درس بجد بلغ اليوم سن اليأس و البطالة بعدما اجتاز السن القانوني للاستفادة من الوظيفة و لم يعد له من الأمل سوى النظر إلى الوراء بحسرة و التطلع إلى الأمام بخوف .

اليوم لا يطلب هؤلاء سوى أن ينصفوا و لو بالأثر الرجعي أن تعترف الدولة بأن ما فاتها بالأمس يمكن أن يُعوض اليوم لكن حتى هذا الأمل أصبح صعبًا في ظل فكر إداري متجمد لا يرى في الماضي مسؤولية بل يراه صفحة طُويت و يطلب من أبناء الشهداء أن يطووا معها ألمهم وصبرهم و انتظارهم  .

وهكذا ظل الأثر الرجعي مجرد فكرة تتقاذفها السنون و يتقاذفها الجمود الفكري فلا من يعترف بالحق و لا من يُشفق على الحال بينما الوطن يتغنى بالشهداء في نشراته و يترك أراملهم و أيتامهم للضياع .

و إذا كانت العدالة قيمة عليا ، فإن أوّل من يجب أن تشملهم هي أسر الشهداء و إن كان الوفاء شعارا فإن اختباره الحقيقي ليس في الكلمات و إنما في الأفعال .

فإما أن نكون أوفياء لمن ضحوا أو نكف عن الحديث عن الشرف و التضحية و إما أن نعيد الاعتبار لمن تحملوا وزر الفقد وحدهم أو أن نعترف بأننا أخلفنا الوعد و تخلفنا عن المروءة .

بقلم عبدالسلام عبدالنبي ابن شهيد حرب الصحراء المغربية