رفع العلم الأسود كشكل من أشكال الاحتجاج خلال عيد الفطر سنة 2018 هذا ما فعلناه كأسر شهداء ومفقودي وأسرى الصحراء المغربية، ولم يكن ذلك الاختيار اعتباطيا أو وليد انفعال عابر، وإنما جاء بعد تداول مستفيض بين أعضاء المكتب الوطني للجمعية الوطنية لأسر شهداء وأسرى ومفقودي الصحراء المغربية، ثم عُرض على باقي الأعضاء فحظي بإجماع واستحسان واسع، لتنخرط فيه الأسر المعنية ويصبح موضوعا تناولته وسائل الإعلام باعتباره خبرا ورسالة احتجاجية ذات دلالة.
وكان الهدف من ذلك الشكل الاحتجاجي بسيطا وواضحا: إيصال صوت هذه الفئة إلى المسؤولين عن الحيف الذي طالها، والتذكير بملف مطلبي ظل حبيس الأدراج لعقود طويلة. والحقيقة أن مطالب هذه الأسر لم تكن يوما تعجيزية أو مكلفة، إذ لم تتجاوز المطالبة بتفعيل مساطر قانونية قائمة أصلا، وُضعت لضمان حقوق مكفولي الأمة وأمهاتهم. ومن بينها توجيهات ملكية صريحة ومذكرات موقعة من الملك الراحل الحسن الثاني، وأخرى موقعة من الملك محمد السادس، غير أن تلك الحقوق ظلت معلقة، وكأن الزمن توقف عند أبوابها.
إنها فئة عاشت مرارتين في آن واحد؛ مرارة الفقد التي أثثت لطفولة قاسية، ومرارة الإهمال التي جعلت ما تلاها من سنوات أكثر قتامة. ومع ذلك لم تنزلق إلى اليأس، بل سلكت طريق القانون والمراسلات والعرائض، وطرقت كل الأبواب، من أصغر إدارة إلى أكبر مؤسسة، ووقفت على عتبات الإدارات العمومية محتجة ومعتصمة، مستندة إلى القانون قبل أي شيء آخر.
وهنا أجدني مضطرة للحديث عن والدتي، لأنها كانت الطرف الأكثر تضررا في هذه المأساة. كانت في الثانية والعشرين من عمرها فقط حين فقدت زوجها، ووجدت نفسها في مواجهة الحياة وحيدة، مسؤولة عن خمسة أطفال صغار؛ اثنان منهم ابنا زوجة أخرى متوفاة، يتيمان من الأب والأم، وثلاثة من أبنائها، يتامى الأب، كنت أصغرهم وأنا لا أزال رضيعة.
كانت امرأة أمية لا تقرأ ولا تكتب، قادمة من عمق الصحراء، لم تعتد الوقوف بباب سوق، فكيف بباب إدارة أو مسؤول. حملت عبء أبنائها وحدها حتى اشتد عودهم وكبروا، وخلال كل تلك العقود لم تلتفت إليها جهة، ولم يصلها من حقوقها سوى فتات هزيل، يضيع أغلبه في استخراج الوثائق والتنقل إلى العاصمة في رحلات تتجاوز ست عشرة ساعة ذهابا و مثلها إيابا من أجل تصحيح خطأ في وثيقة أو استكمال أخرى.
أما السنوات الأولى، فقد كانت جحيما حقيقيا بكل ما تحمله الكلمة من معنى. وبعد ذلك وزعت الدولة مساكن على هذه الأسر، كانت عبارة عن نواة سكنية بالكاد تستحق هذا الاسم؛ غرفة ومطبخ ومرحاض، دون شبكة صرف صحي، ودون ماء أو كهرباء. ومن سوء حظها الأغلبية أن المسكن كان يفتقر حتى إلى أبواب المدخل والنوافذ، باستثناء نافذة وحيدة، فيما بقي الفناء الخلفي مكشوفا بلا سقف و بدون تسوية إدارية أي بلا وثيقة ملكية مجرد رقم فقط. ثم إن ذلك المسكن كان بمدينة آيت ملول، وهي مدينة لم تطأها قدم والدتي يوما، ولا كانت تعرف الطريق إليها.
كم رأيتها ترفع يديها إلى السماء وتدعو الله أن ينتقم ممن هضموا حقوق أبنائها، وممن جعلوها تتجرع كل ذلك العذاب.
وحين تابعت مؤخرا على مواقع التواصل الاجتماعي قضية رأي عام ارتبطت بأم وأعلام سوداء ودعوات خرجت من قلب موجوع، استيقظت في ذاكرتي كل تلك الصور القديمة. اتصلت بوالدتي وسألتها عن أولئك الذين كانت ترفع يديها بالدعاء عليهم.
أجابتني دون تردد: «كل مسؤول وقفت عند بابه فأعادني خائبة. كل مسؤول استباح ضعفنا وهشاشة وضعنا. كل من كان يعلم أن حقوقنا مسلوبة وكانت بيده القدرة على إرجاعها ولم يفعل. كل من خان الأمانة.»
وحين كانت تتحدث، تذكرت شيوخا ومقدمين كانوا يفرضون عليها، في مناسبات وطنية، أن تمدهم بزرابيها وأواني الشاي الخاصة بها لتأثيث الفضاءات العمومية، ثم يعيدونها إليها متسخة ومهترئة، فكانت تدعو عليهم بحرقة المظلوم.
وتجرأت أكثر وسألتها مباشرة،، وهل كنتِ تقصدين الملك؟ فأجابتني فورا: أبدًا. الملك أدعو له ولا أدعو عليه.
قلت لها: ولكن بيده حل هذا الملف.
فقالت: يا ابنتي، الملك بشر مثلنا، ولا يمكنه أن يطلع على كل صغيرة وكبيرة. لقد عين مسؤولين وحملهم الأمانة، وهم من لم يؤدوها كما ينبغي، ثم أضافت، بعفوية الأمهات وحكمتهن الفطرية: أنتم أبنائي، وأنا لا أعرف كل ما تفعلونه. تخبرونني بما تريدون، وتخفون عني أشياء كثيرة. فكيف بملك يدبر شؤون أمة كاملة؟
وسألتها أخيرا: ولماذا تحبين الملك رغم كل ما عانيته؟..فأجابت بكلمات ببساطة
ـ لأن الله أمرني بذلك، لقد قال "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ" و هو ولي أمر هذه الأمة..ثم قالت يا ابنتي إن الوطن من غيره يشبه بيتا بلا أب، وأنا أعرف جيدا معنى أن يخلو البيت من عماده.
أنهيت المكالمة يومها، لكنني فهمت أكثر من أي وقت مضى حجم الحرقة التي كانت تسكن قلبها، وفهمت مرارة ذلك الدعاء الذي كنت أسمعه منها مرارا، وما زلت أسمعه إلى اليوم، وسأظل أسمعه ما دام في هذا الملف حق لم يعد إلى أصحابه، وما دام في صدر أم ثكلى وجع لم يبرأ بعد، حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا..
✍️ميمونة الحاج داهي

